بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

ومضات كاشفة وقصص الكوبري أبو عين واحدة لصلاح بكر بقلم: الشربينى المهندس


ومضات كاشفة وقصص الكوبري أبو عين واحدة لصلاح بكر
بقلم: الشربينى المهندس

هناك سمات أساسية للإبداع وعتبات النص المختلفة، منها محاولة استنباط أشكال وروابط جديدة من القديم فتتسع مجالات الرؤية ومشاركة القارئ.. ومنها محاولة تشكيل علاقات جديدة بين مفردات قديمة والعكس أيضا فتأخذنا الدهشة..  وأن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج .. وهذا ما سنحاول رصده مع هذه المجموعة.
يأتي غلاف المجموعة القصصية الكوبري أبو عين واحدة وصورة العين الوحيدة المفتوحة مكملا للعنوان بصرف النظر عن الحمامة كعتبات أولي للنص والتي تحدد سقف التلقي.. وهو عنوان أحد قصص المجموعة.. وإن كانت العين هي الممر أسفل الكوبري حيث يسير القطار أعلاه كما اصطلح عليه واقعا، أو الممر الذي سيهرب منه بطل قصة الكوبري أبو عين واحدة من المستشفي إلي البيت بعد أن تركه الأديب السكير الواعظ مع قطار الذكريات والسنين العجاف حيث تتوالي الأزمنة والأحداث بطريقة رمزية، كبيته المتهالك أو البيت الواقع الذي صمد أيام الحرب العالمية وتصدع أيام الانفتاح وهو يدندن..
.... يا أهل مصر المحمية ....... الفول كتير والطعمية............                                                         وهنا تبدو محاولات الكاتب لتكتسب قصصه خصوصية بمحاولة التمرد علي السرد المألوف بسرد حداثي كما رصده د.السعيد الورقي.. ولكنه سرد مجهد للقارئ العادي الذي يحتاج لتعريف الكثير من الأسماء والرموز المقصودة، لتتابع معه سرديات غير مألوفة وكلمات خاصة منها علي سبيل المثال ندوة الاثنين الأدبية والقصر أو قصر الثقافة وحي سموحة الراقي وجانوتي العشوائي والمقابل له وهي أحياء سكندرية.. وساعة الزهور بميدان الشلالات بالإسكندرية والجزويت وسوق البياصة وهكذا .. أو عندما يقول صحوتي العاطفية جاءت متأخرة، كما استيقظ متأخرا في قصة جسد رخامي فوجد نفسه خارج المنزل.. هو لا يملك أنثي، ففكر في التسكع في الطرقات.. طريق الحرية بعيد والسير أتعب قدمي فهل هو طريق الحرية كشارع رئيسي للتسكع بالإسكندرية أم طريق الحرية في العلاقة العاطفية.. وهكذا في محاولة لرصد القطب الفني أو النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والرموز قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية..
وهنا تبدو السمة الأولي فالكاتب فى الأصل ليس محايدا.. وهو لابد أن يعاني فالأديب مرآة مجتمعه.. ربما يحاول ألا يكون منحازا لذا فهو يتأرجح ما بين الراصد والمشارك ويقع عليه عبء الصياغة الفنية.. لكن الشخصيات التي حشدها الكاتب منزعجة ومضطربة تعيش حالة قلق دائم وغربة مستترة كما يقول د.الورقي في مقدمته، فقد كانت من الجانب الفقير ساكن العشش والجحور بالعشوائيات، حيث الوحل ينبت أطفالا يمسحون أطباق الفول ويمتنعون عن التصويت في عصر التصحيح ويقذفون الحجارة علي أبناء الخواجة في الجانب الآخر من الكوبري.. أو تمرد من نوع آخر علي رائحة طشة الملوخية وهكذا..
وهنا تستمر الرؤية الفنية والإنسانية الخاصة لصلاح بكر بعد مجموعته الأولي كشف الورق.. ورصده لعالم أبطاله الداخلية وما يحيط بهم من عالم مطحون ومقهور ولا يقاوم ولا يحلم .. الحلم الذي يداهمه وتكتسي البيوت باللون الأسود.. والمرضي فئران تجارب .. وكيف يحلم وهو بليد الفصل ووالده ينصحه لا تقصص رؤياك علي زملائك..
ولكن تأتي الصعوبة مع السمة الثانية وفن العرض مع الأثر الانفعالي الذي يميز كاتبنا وهل ترك الكاتب للأبطال والحوادث حرية التعبير..؟
في قصة جسد رخامي نأتي لاستهلال القصص لنكتشف أنه الراصد والبطل حيث استيقظت متأخرا.. وجدت نفسي خارج المنزل.. وفي قصة العمبوكة.. أغلقت البوابة الحديدية فوجدت صفا من الغرف الموصدة أبوابها سوداء.. وقعت علي الأرض الباردة.. ممددا فوق البلاط غصت في ظلام سحيق.. وأغلقت سماعة الهاتف والعبارة عالقة بأذني.. البيت وقع في قصة البيت الواقع .. الطبيعة جعلتني قطا في قصة قط الليل.. وفي البليد تبدأ القصة بعبارة بعد خروجي من المدرسة.. حتي قصة لجنة المكفوفين آخر قصص المجموعة نرصد أتراجع إلي الوراء.. أنظر إلي الفتيات والشباب والذكريات تتزاحم..
ولكن هل سيظل هو البطل الوحيد.. وهنا دخلت أم السيد الحجرة مع أبو السيد وأغلقت الباب وتوقف السرد.. ربما ليعطي السارد العليم للقارئ الفرصة لإطلاق خياله والمشاركة وهي من أساليب جذب القراء عندما يسيطر المنولوج الداخلي والكاتب المأزوم علي القصة ويظهر ما نسميه الفضفضة.. ولكن تتغلب العين الراصدة ويتدخل الكاتب ليقف مع القارئ أمام الباب المغلق ويطرح أحد النتائج المتوقعة فقد زاد عدد الأطفال في الشوارع..
قد يكون ذلك الملمح الذي تكرر في أكثر من قصة من قصص المجموعة من الومضات الكاشفة للشكل الحكائي لأديبنا.. سواء الأسلوب الدلالي ورمزية الحدث أو الأسلوب التعبيري لسياق النص.. فقد تتعدد الأزمنة فهو لا يعرف من التاريخ سوي عصر الثورة وعصر الانفتاح وعصر البلطجة رصدها والحافلة ترجع للوراء تصطدم بالجدران وتحدث شرخا وهموم وطن.. وإذا عدنا إلي عنوان المجموعة الكوبري أبو عين واحدة وهو عنوان إحدى قصصها التي تتناول حياة سكان ما يسمي بالعشوائيات فإننا نلمح محاولة الكاتب للتمسك بالواقعية البيئية فالكوبري أحد معالم الإسكندرية يمر من فوقه القطار وفتحته السفلية لمرور المركبات.. لكن هنا تتعدد الدلالات فقد يفسر البعض أن العين الواحدة تعني أحادية الرؤية وهي رؤية الكاتب السارد بالقطع هي لغة المتكلم أو المخاطب هي المسيطرة وهو ما قد يدفع القارئ للتوقف عن المشاركة وهنا الخطورة علي العالم الجمالي، والذي يكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله فقارئ الإسكندرية عندما تقول له الكوبري أبو عين واحدة تسبقه علامة الاستفهام قائلا ماذا حدث له مثلا.. أو تستغرقه الفكاهة فيقول الكوبري أبو عين..اشمعني..!!
قد يكون اختيار العناوين مقصودا لإثارة الدهشة بغرابة الكلمة مثل أبو عين واحدة والعمبوكة أو اللهجة العامية مثل القديمة تحلي أو البيت الواقع بمعني السقوط.. ولكن العين الراصدة الأخرى تعطي دلالات مختلفة للكوبري الملهم للعديد من الكتاب كرابط بين أكثر من اتجاه، والذي استغله الكاتب للمقارنة بأسلوبه الخاص بين حياة سكان المنطقة العشوائية الفقراء علي جانب الكوبري والأغنياء علي الجانب الآخر.. وهو واقع صنعه الكاتب يخالف واقع الحياة حول الكوبري المذكور.. وما بين الاستفهام والسخرية والواقعي والمتخيل تسير محاولات الكاتب لصنع الروابط مع القارئ الذي يشعر بإحساسه بما بين السطور بحالة التشظي التي أصابت بعض القصص، وهي رد فعل طبيعي لتيار الوعي والتداعي الحر.. فربما كانت قصة قط الليل وأنسنة القطط والتمثال أيضا تأتي كنوع من الاختلاف لربط القارئ.
ومع محاولة الكاتب تنويع الشخصيات جذبا للقارئ تأتي شخصية جيجي التي تهاتف الوزير شخصيا أو كراوية الذي يأخذ بطلنا علي جناحه المكسور.. وأيضا تأتي خلطة الرموز وأحداث تاريخية وتراثية وهو يجلس بمقهي الشيوخ يردد كلمات الشيخ كشك (امرأة في الستين وتردد كلمات خذني لحنانك خذني) طبعا يقصد كوكب الشرق أم كلثوم ويقول (شاهدنا علي الشاشة الصغيرة الشاب يلقي بفرده حذائه في وجه الخواجة) يقصد الرئيس الأمريكي جورج بوش.. وتستمر محاولات الكاتب للخروج عن المألوف في قصة حي سموحة الإفرنجي وحي جانوتي العشوائي وقد أصاب الخواجة الذعر من أطفال الشوارع وطارت شرارة العراك أو العراق وصدر بعدها قرار مجلس الأمن بنزع أحذيتنا أو أسلحتنا.. وهكذا المراوحة بين الواقع لصلاح بكر والواقع العربي والعالمي وبين القديم والحديث مع بساطة السرد وخصوصية الحكي، وتتعدد الومضات الكاشفة وعالم صلاح بكر الإبداعي في انتظار إدراك أفق القارئ والمسافة الجمالية.


                                                      عودة 

الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

بين الذاتي، والأسطوري، والموروث"قراءة في رواية (الرَّقْ) لمحمد محمد نصر"


بين الذاتي، والأسطوري، والموروث
"قراءة في رواية (الرَّقْ) لمحمد محمد نصر"

"هو العمر لا يحتويه العمر. الطين جزء منه والنور بقيته.
 مليء بنا. يرثنا جميعا ولا نرثه"

تلتحم في رواية "الرَّقْ" لمحمد محمد نصر (الصادرة عن كتاب إفاقة الأدبي، لعام 2008) مستويات الوعي الذاتي الأسطوري، التي توغل في الموروث الشعبي والديني، بحيث تنبثق من كل من: الذات، والأسطورة، والموروث، مستويات أخرى من التعامل مع إشكالياتها على المستويين: الذاتي الخالص، والذاتي المرتبط بالواقع الخارجي والمحيط بكل متعلقاته المكانية والروحانية والطقوسية الضاربة في عمق الواقع والموروث الشعبي المتعلق بالشق العقيدي المتوارث والضارب بجذوره في متن الحياة بمختلف صورها التي تقترب إلى حد كبير من النموذج السحري أو الأسطوري، أو الميثولوجي الملتحم بمفردات المكان كمستوى أفقي منبسط، والمحتفظ بسحريته على مدار الزمان، كمستوى رأسي  دال على الاستمرارية ونمو تلك الإحداثيات، تلك التي تؤدي إلى إحداث ما يمكن أن نسميه انتصار الذات في تحقيق أطراف معادلتها الصعبة، أو رحلة بحثها عن ذاتها أو أسطورتها الحقيقية/ الجوهر المشع من الذات في فلسفة تجمع بين العقيدة ورحابة الفكر واتساع مدى خطوته، من خلال وعي خاص يستمد عنفوان قوته من كل تلك العناصر.. وحيث التجربة الصوفية الروحانية:
"... بحثاً عن عالم أكثر روحانية وشفافية وصفاءً، تنحسر فيه قوة المادة أو تذوب"[1]    
فالذات التي تطرق باب السرد الروائي حثيثا من باب الأسطورة/ الموروث الشعبي/ العمق الميثولوجي المتعاقب على مدى الزمن، ومتوازيا في ذات الوقت مع البعد الديني المتوارث المجبول على الاقتران بالحس الروحاني الشفيف.. وبلغة تتراوح بين اللغة الشفيفة الكاشفة، واللغة الدالة الرامزة، وبين لغة الحلم المحلّقة المتوثبة، وأحيانا المهوِّمة في فضاءات الذات والروح، وأحيانا كثيرة مقترنة بالمعجم القرآني المقدس..
 تلك الأبعاد التي تتمحور ـ بدايةً ـ  حول الجدة/ النموذج الدال على منبت الوعي وجذره القوي ميثولوجيا وحاضرا مستمرا، والذي يشيع في النفس والروح، تلك الرهبة وتلك الرغبة في ارتياد المجهول المكتوب في علم الغيب أو علم الروح على حد السواء، وذلك من خلال مفتتح سردي دال، ولكنه كاشف إلى حد بعيد، تلك هي الإشكالية التقنية الممتدة والمتوالدة التي يلعب عليها النص الروائي على مداره، من خلال الحكاية أو المنظور الحكائي للأسطورة، التي ترتقي بمراحلها نحو إدراك غايتها واستمرارها بوعي جديد مفارق هو وعي الذات وحضورها المتجدد، فالفرد/ الإنسان أساس الكون في تفرد عملية الخلق الأول، ومن ثم استوائه في أحسن تقويم:
"حين يرتدي وجه النهار، ذلك القناع اليومي المعتم.. تتسابق كل الأرجل الصغيرة إلى هذا الكوخ البعيد عن الأزقة والحارات لاهثة كي تصل إلى نهاية حلمها الأبدي.." ص7
بحيث يتحدد المكان/ المصدر الذي تنبثق منه الأسرار التي تنفتح من هذا المكان المحدد الضيق إلى رحابة المعنى، ورحابة الكون، ومدى الأبد، من خلال اعتماد صيغة آنية تشي باستمرار الحالة وديمومتها، وتكرار وجودها في هذا الحيز المكاني المرتبط بالأسطورة وبوجودها الفاعل المؤثر في تكوين المجتمع الذي تعيش فيه ومن خلاله، وتعتمدها على نحو من ديمومة البحث، وديمومة الرهبة والرغبة معا، في اختراق هذه الحجب الغيبية..
والبداية دائما، هي من خلال تلك البقعة السحرية التي تنطلق منها مرحلة الطفولة البريئة الغضة، أو الوعي الفطري المجبول ـ ربما ـ على تقبل الأشياء على علاتها، تلقينا واعتيادا، أو من منطلق واقعيتها السحرية الآخذة، من خلال سحر الحكاية وسحر المنطق والبيان الذي تشعله الجدة/الرمز/ ضمير التاريخ / ضمير الموروث/ الجذر الضارب بقوة في عمق الأرض، معراجا نحو آفاق أرحب وأقدر على إماطة اللثام عن سؤال الحياة والوجود.
"يد الجدة مبسوطة ولا تزال تهز رأسها كأنها إحدى العابدات أمام تمثال بوذا. الانتظار يأكل الأجساد، ويوافيخ الصغار ترسم مئات (الحواديت) التي سمعوها من قبل. تدخل الجدة يدها في حجرها، وعيون الصغار ملتصقة بها، تخرج بعض الوريقات الصغيرة المكومة، تعطي كل واحد منهم واحدة وتأخذ لنفسها واحدة تفتحها وتسِف ما بها." ص9
مع استمرار اعتماد صيغة حركة الفعل المضارع في رسم الصورة المحكية المنقولة بحرفية تنحو إلى استخدام المفردات الرامزة، لرصد تلك الطقوس المعتادة المتوارثة.. تمثل هنا الحواديت ضمير الحكي وضمير الوعي الإنساني المتشكل لهذه البيئة الحياتية والمشغولة بطقوس وجودها الروحاني، والمتشبثة بوعيها الديني الضارب في مفهوم موروثها الحكائي الذي يختزل كل شيء إلى حكاية، وإلى رمز، وإلى صور تتجمع لتشغل الخيال وتملك الجنان..
إلا أن عملية الاصطفاء/ الاختيار التي تقع على الموعود أو المنذور للغيب أو تلك الأسطورة ولتلك الروح الموغلة في النفس تدفعها نحو مراحل البحث المضني عن اليقين أو عن ملامح الأسطورة المختبئة في طيات الذات، تلك اللبنة التي تمثل ضمير الوعي الإنساني، المتمثل هنا في شخصية محمد، الراوي/ المنذور للغيب والمتشبث به، قدر نذره لعالم الأسرار الخفي:
" ـ ما اسمك؟
ـ محمد
ـ من باح راح
ـ أعلم جيدا
ـ قم إلى الصندوق فافتحه، تجد ما يؤنسك عندما تجلس وحيدا عند شجرة التوت في عتمة الليل.
أنا المالك الآن سري المجهول. ما هي إلا خطوات وأعرفه. دفء (الركية).. دفء الجدة لا يمنع تلك الرعشة التي أصابتني. الجسد الآن قد خار، والقلب قد استثار" ص15
يلعب رمز الشجرة دورا هاما، كرمز لقدسية الحياة، وكرمز للإثمار في أي من أحواله، حلوه ومره، ورطبه ويابسه، فالراوي/ الكاتب هنا، يتكيء على قدسية المكان، ويستمر معها ارتقاءً من حيز الكوخ الضيق، والذي بدأ ينفتح على رحابة الخارج/ الكون أو المظلة اللا متناهية التي تظلل الخلق وعاشقي البحث عن معنى الحياة والارتقاء، والهاربين من سطوتها على حد السواء، والشجرة هنا بداية، وهي التي دلت عليها الجدة/ الموروث الشعبي المقترن بالديني، كما وقرت في قلب الراوي/ الباحث عن ذاته في كونها، تمثل اتجاها فلسفيا عميقا يجمع بين تناقضات الشعور بمنطق الحكمة: "تلك الشجرة التي أحبها كثيرا، أمقتها كثيرا، تعذب من يحبها فيزداد حبا، وتسعد من يكرهها فيزداد كرها". فهي هنا تمثل الحياة بديمومتها وتعاقب دوراتها، وبفلسفتها المستعصية على التنميط، وهي أيضا الشجرة في معناها الصوفي/ الروحاني/ المتأمل، كمعنى آخر من معاني الحياة أو دال عليها، هي مرحلة من مراحل الارتقاء واعتلاء درجات الحقيقة نحو الوصول إليها، فهي الشجرة أيضا في وعي الجدة/ وعي الحياة العجوز، مرتبطة بمصائر الناس، أو هم المرتبطون بها على حد السواء، في علاقة جدلية من علاقات النص/ الحياة، والذي تؤكد عليه مقولة الجدة بحكمتها: "هي شجرة ليست كأي شجرة. في كل بلد واحدة مثلها وعقيم لا تثمر.. مكتوب على كل ورقة فيها اسم واحد من أبنائها".  
فالرهان على المكتوب دائما ملتبس، ومقترن في ذات الوقت بفعاليات الوجود يثير قلقا وجوديا، وألقا بالغين في النفس المجبولة على السؤال والتحري والتوثب نحو كل ما هو غامض وغيبي وموروث..

بين الشك واليقين
وهو الذي يقود الرحلة نحو مرحلة التأرجح بين الشك واليقين التي يسوقها النص كإحدى المراحل المفصلية الانتقالية على نحو من التسلسل والتدرجات حتى فعاليات اللقاء أو بدايات التحقق من الوعد، والاقتراب من وهم الأسطورة العامة أو حقيقتها على حد الالتباس وحد السواء، من خلال التجلي الجزئي أو الأصغر الذي يظهر جزءً من جزء من الحقيقة من خلال استلهام الموروث الديني من خلال التناص مع حادثة البراق في رحلة الإسراء والمعراج والمتمثل بها، والتي تبدأ بالسؤال والبشارة من خلال الحوار الدال والمتضمن على بدايات الحقيقة، مع البحث عن (ورقة)، ذاك الرمز الذي يوحي بالمكتوب أو المقدر أو الجزء من الجزء من أوراق الشجرة المقدسة التي ترتبط بها مصائر الخلق، من خلال سياق الحوار الكاشف، بدلالة رمزيته:
" ـ لم أصب بالرجفة التي قالت عنها العجوز؟!
ـ العجوز صادقة.. أنا لست ورقة
ـ فمن أنت؟
ـ خادمه
ـ أين هو؟ .. أريد رؤيته
ـ هو فيك.. قد اخترته أنت والاختيار جمر في يد صاحبه، فاعلم أن الرؤية لها مداها.. " ص21
يؤكد النص على قدرية الاختيار كملمح من ملامح الإيمان بالقدرة الإلهية التي تنير البصائر نحو طريق المصائر، وكسمة من سمات الاختبار أو الابتلاء بالجمر الذي يمسك عليه المؤمن الحق في قدرية اختياره لشق الإيمان والتصديق والتسليم، وهو من صميم العقيدة أيا كان توجهها بعيدا عن المسمى الديني للعقيدة، فهي الرحلة / المعراج للقابض على جمر اختياره بفلسفة وجوده/اكتوائه، نحو جوهر الذات، أو نحو القوة الهادرة التي تنساق نحوها النفس والروح وتنجذب، وتدور دوراتها حولها كقطب أعظم تدور كل الجوارح في فلكه، ويدور الكون في فلكه الداخلي كقوة مسيطرة، فربما يكون عبدا ربانيا يقول للشيء كن فيكون كما جاء في الحديث القدسي، وقد تتحقق له معجزاته المرئية كما تحققت أسطورته الذاتية غير المرئية..

معراج الذات
تلك هي بدايات تجلي الأسطورة الذاتية، أو تحققها الذي يبدأ من الذات العاشقة، لينتهي إليها كحقيقة/ يقين، لتكون رحلة المعراج نحو سماوات الذات تمثلا برحلة المعراج المقدسة، ولكن بصور واقعية يسجل لها الراوي ويربطها بأديم الأرض من خلال أنات الموجوعين وشكاوى المظلومين، كأناس تسعى على جحيم أرضي يلتمس فردوسا بعيد المنال، لا تحققه إلا الروح المتوثبة الثائرة المتمسكة بقوة إيمانها بقوة اليقين:
" يحاول الرجل أن يرفع وجهه إلىَّ فلا تطيعه رأسه، فيلعن تلك الرأس التي لم تعد ترفع
ـ أبحث عن نجاتي وعيالي.
ـ هي تحت قدميك..
ـ أخذ أرضي وطردني..
ـ دافع عن أرضك تأمن عرضك، واعلم أن الرب هو العبد، ولا يطرد عبد ربا من مملكته، فخذ هذا الفرع واطعنه طعنة ثائر وبعدها لن يملك لك ضرا ولا نفعا" ص25
هكذا يتماس النص مع الواقع، بقدر تماسه وانغماسه في الروح تجنيدا لها وتحريضا لها على الحق والثورة ومحاولة إلحاق العدالة بركب الحياة من منطلق الروح التي تستلهم قوتها من ذاتها، فالذات هنا، في تجليها، هي الرب، وهي القيم الحقيقي الذي ينبغي أن تدين له القوة، فمن هذا المنطق أنت رب نفسك، باستلهام قوة خالقك الذي بث فيك من روحه، وما خارج نفسك خارج سلطانه، خاضع لسلطان شهواته وعبد لظنونه وقوته الوهمية المصطنعة وتملكه، ذلك كصورة من صور استلهام قوة الروح كعلاج، لتبدو الأمور من خلال تلك الرحلة الغيب/ واقعية على نحو من التكشف أو الاقتراب من مصدر النور الذي يومض حتى يكاد وميضه يغشى العيون ويتلاشى ليتجه نحو بقعة أخرى أكثر اقترابا وأكثر تجليا، فلا قدرة للإبصار على اجتياز تخوم التجلي وروعتها الآسرة التي تؤدي إلى حالة من حالات الانبهار التي تأخذ الروح في طياتها، التي يعبر عنها النص برقة ورهافة الحالة التي يغيب فيها العقل لحساب أمور أخرى:
" والعقل أصبح مشدوها بما يقرأ حتى أنه لم يلحظ اختفاء النور وذهابه إلى مكان ربما يكون قريبا أكثر مما يتخيل.. " ص40

الموروث، وسؤال الاكتواء
"كيف تتحمل ولك جسم من الطين....؟؟.. "
يبدو السؤال مقترنا بطقوس الحياة / الواقع المحيط، من خلال الارتباط بعملية الخلق التي يرتكن إليها السارد ليميط اللثام عن بدايات المنذور للغيب مع الحياة المادية؛ فأيام الخلق الأول في الموروث الديني تلقي بظلالها اللصيقة على مثيلتها في الموروث الشعبي/ الميثولوجي، وٍهي الأيام التي تلي عملية الولادة، من خلال سيرة الطفل الفطرية وتعامله مع الحياة لأول مرة، من بعد علاقته الجنينية بالأم، المصدر/ الوسيط المباشر، بحيث ترتبط عملية الاستلهام على نحو ما من التناص، لتبدو من خلال صور الطقوس الشعبية ومفرداتها الضاربة في عمق الموروث الديني والمكملة لطقوسه في عرف البيئة الشعبية المتدينة:
"ها هي يد قد أحس بها في أيامه الستة الماضية تحمله وتضعه على فراشه، وأنفاس تلفح وجهه الذي لم يزل لينا، وصوت غليظ يخرق أذنه اليمنى.. يلقي فيها الشهادتين، ثم يخرق اليسرى ويلقي فيها الآذان.. لم يكن هذا الصوت يسمعه وحده. كان يسمع طقطقات الملح الذي كانت أمه تضعه في طبقها النحاس المملوء رملا، تعلوه أعواد من الحطب المشتعل عليه قطعتان من "الشبة"، و"الفاسوخة"، وحبات عين العفريت، وكمية من البخور تصل رائحتها إلى أخر البلد وورقة بيضاء مقطوعة على هيئة عروسة مثقوبة بثقوب كثيرة من عين الأهل والجيران وجيران الجيران، ومن شر حاسد إذا حسد" ص57
هنا يلتقي الموروثان العقيدي والشعبي على مائدة الطفل ومتنه، ارتباطا وثيقا بملمح رئيس من ملامح وجوده ووجود العالم من حوله، حيث يلتقي الروحاني المتمثل في التراتيل المرتبطة بالعقيدة، مع المادي المتمثل في مفردات الطقوس والعادات الشعبية بميثولوجيتها الضاربة بجذورها، والمستمرة بها الحياة..
ذلك المتسع من فضاءات الذات التي تتلون وتتأثر بموروثها الذي تحمل وشمه ومفارقات وجوده وغوايته، من خلال عوامل أخرى تشترك في الظهور على مسرح الحياة بغوايتها وعشقها المادي الآخر وهفواتها، والتي تعد خطا موازيا لعالم الروح، حيث يبرز عالم الجسد والشهوة كملمح إيروسي موازي للملمح الروحاني المتغلغل، فالاكتواء بنار الروح يمثل حجر زاوية في مشوار كل مريد ينزع إليه كلما شده الحنين إلى أديم الأرض الذي خلق منه وتشرب به وتعلق به، مكتويا بحرارة أخرى هي حرارة تكوينه المادي واشتعال جذوة نار الشهوة فيه، تلك التي أنضجته، متسقة مع صور موروثه الذي يرسم له خطوات قدره المحتوم:
"أعلم أن على يدي اليمنى مرسوم هذا المسجد ذو الأبواب الكثيرة، وأن على يدي اليسرى تلك المرأة العارية التي توحي بشهوة عاتية، لكن ما ذنبي حين أخذني أبي إلى هذا البدوي ليعبث بذراعي الصغيرة. الأسئلة في صدري جرح يود أن يندمل.. " ص67
يلعب السارد هنا على المقابلة بين المسجد ببعده الديني العقيدي المقدس، وبين المرأة/ الحياة / الغواية؛ فهو هنا واقع بين طرفي نقيض يتناوبان عليه، لتمثل تلك الأسئلة معبرا/ برزخا هاما يجتازه المريد بعدما يعترضه ويمكث به ردحا من الزمن، هنا يقترن المقدس بالمدنس على نحو ما يرى "جورج باتاي" من أن "التجربة الإيروسية (الشبقية) تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبهما اللغة"[2]
تتحرك به خطوات السرد لتؤصل ذاك الإحساس المراود بفتنة الحياة والتي ينبغي له التخلص من شوائبها، إنضاجا للبدن المتسامي مع الروح، بمحاولة إماتة اللذة والاشتهاء، تطهرا بنار الاكتواء للمعراج نحو لذة أخرى سامية..
"جسدان ملتصقان وبعض من رجال يفتحون باب الحجرة ينتزعون جسدي المتعب، يحملون الجسد الآخر ـ وهو مستسلم لهم ـ يرفعونه بين أيديهم، ويخرجون مسرعين. أحس أن جسدي قد انسحب مع الجسد الآخر. دمعات عفوية تذكرني بأني أسير وسط هذا الزحام الذي لا أعرف متى حضر، وصوت يأتي من الزحام: ـ من التراب وإلى التراب نعود" ص81
ليأتي الخروج من الحالة/ البرزخ، تهيأً واستعدادا للالتقاء بالقرين الحق الذي ربما أنار له الطريق، ربما جلدا للذات واستلذاذا باكتوائها نحو الخلاص الذي تتدرج معه وترتقي مستويات إدراك النور المنبثق من الذات، والذي يدني الروح/ الذات من كينونتها ولذتها المشتهاة، والتي تصير لذة بديلة للذة تتلاشى هي لذة الجسد المادي:
"حين كان الرجل مازال يجلد ظهري كنت مازلت أستعذب جلده حتى أني تمنيت ألا ينتهي منه، وحين كنت أستعذب الجلد كان يظهر في المدى البعيد كوة من النور لم أر لها مثيلا من قبل.. تمنيت ساعتها أن تقترب مني، أو تكون بداخلي. عندما أحس الرجل بذلك أطلق يدي، وألبسني بيده إزاري ونعلي، وقال لي: ـ هذا هو طريقنا الوعر.... " ص96

صناعة المريد، وأسطورة الذات
تلتحم الذات بموروثها الديني، مرارا وتكرارا، على مدار النص؛ ليتكيء السرد مرة أخرى عليه، استحضارا واقترابا، في نهاية المطاف، وربما تناصا مع حادثة الخضر، وبلغة أكثر اقترابا من لغة الحلم/ الرؤية، التي يضع لها النص/ السارد، معالجا مغايرا يتسق مع الحالة الوجدانية والروحانية والجسدية المتفردة للنص، وبشخص المريد، حيث تظاهر المريد بداية بقايا من تعلقه بالحياة المادية للجسد أو الرمز المتمثل في المرأة التي تخرج من البحر لتراود نفسه عن ماهية إنفاذ المكتوب الجبري عليه من ناحية ضرورة قتل الغلام، ليأتي الصراع بين المشيئة الخاصة، والمشيئة العليا الأسمى:
" كانت تخرج من البحر امرأة يغطيها نور فضي لقمر مكتمل.. تقترب مني.. أنظر للغلام، فأجد علامات السعادة بارزة على وجهه، فأدير وجهي إلى المرأة ثم إلى الغلام. الخوف من هذا الموقف يزيدني عجزا" ص100
يعكس هذا الموقف التردد الذي يغلف نفس المريد ويوترها، وليبرز النزعة الداخلية الكامنة للذات، في قوله المقابل والمضاد للأثر الموروث: " قلت له؟؟ " هذا فراق بيني وبينك".. لكن المشيئة الأعلى قد نفذت.. لكن الاتكاء على تيمة الجدار وتحويلها إلى الدلالة العكسية، بتحويل التيمة القرآنية القدرية إلى عكسها لتوائم الموقف الواقعي / الحياتي، تبرز مشيئة المريد في بناء الجدار استثارة أو تأثرا، والولي ينفذ المشيئة الأعلى بهدمه، على عكس ما جاء بالنص القرآني المقدس، ليتسق المفهوم مرة أخرى مع معنى الاختبار والاختيار، وتنفيذ المشيئة العليا/ المكتوبة على مستوى هذه الحالة / المستوى الذاتي الخاص:
"يرفع عصاه ويضرب الجدار ضربة واحدة يسقط على أثرها، فأحس بأن أعضائي تسقط واحدا بعد الآخر، والدمعات التي سقطت من عيني ربما أرادت أن تلعن الرجل فينظر لي بابتسامة خبيثة تخرج من بينها كلمات:
ـ انهض يا محمد.. الله الله.. الناس الناس.. لكل ولي حجاب وحجابنا الأسباب" ص108
 كذلك تأتي عملية تحويل مسار السفينة التي تماست مع سفينة نوح الصحراوية، التي لاحت في أحد مراحل النص من خلال الإشارة إلى معاناة السارد وأمثاله في العمل في دولة صحراوية، لتتحول هنا التيمة الصحراوية الجافة الدالة في ضمير السارد/ المريد على الوقوع في الجدب والمتاهة والاغتراب المادي والمعنوي، إلى سفينة تمخر عباب الماء، تتحقق بها معجزته/ أسطورته الذاتية التي بها خلاصه ونجاته المرجوة:
" ـ خذ فيها من كل شيء زوجين، من فقرك لغناه، ومن ذلك لعزه، ومن ضعفك لقوته، ومن نقصك لكماله، وأعلم أن في ذلك نجاتك وخلاصك.. ص 112
ـ سفينتك بمجدافين: خوف ورجاء، فامسك بهما لنرى هل يوصلانا أم لا؟ ص114 "
ليبرز النص/ سارده صوت الذات المنتصرة لإرادتها الكامنة التي تؤيدها الإرادة الأعلى، متلازما ومتداخلا ومتكاملا مع صوت الولي / الرجل الذي يلقي بأخر أمارات الوصول إلى جوهر الذات وقوتها الكامنة التي تسيطر:
" كانت كلمات الرجل تخرج حين كانت يده ترمي بعصاه، فأمد يدي لآخذها وأضعها تحت إبطي مسرعا الخطو ناحية الماء.. أنظر إلى الماء ممعنا، والصرخة التي خرجت لم أستطع أن أمنعها: ـ إنه أنت.. أنا..
كانت كلماتي تخرج حين كانت العين تبحث عن رجل ربما تحول إلى هالة من نور ربما استقرت داخلي.. " ص118
وصولا إلى حقيقة الذات التي تحققت من أسطورتها المقترنة بوعيها وموروثها العقيدي الذي انتصر ضمنيا وجوهريا على موروثها الشعبي المادي المخاتل، وإن لم ينفصل عنه.. وكما أنشد العز بن عبد السلام
إن السماع صفاء نـــور صفوته /يخفي ويحجـــــــب عمن قلبه قـــــاسي
               نور لمن قلبه بالنور منشــــــــرح/ نار لمن صــــــــدره ناووس وسواس
              راح وكاساتها الأرواح، فهي على /قدر الكؤوس تريك الصفو في الكاس!

محمد عطية محمود
 الإسكندرية
20/9/2011   



[1] صلاح عبد الصبور ـ (حياتي في الشعر) دار العودة، بيروت، ط1، 1969، ص119
[2] جورج باتاي ـ الموت والشهوانية  والتابو ـ نيويورك ـ 1962 (كاتب وفيلسوف فرنسي ـ ( 1897ـ 1962م ) ، من أعماله: الأدب والشر)






                          عودة 

شجرة العابد وسحر السرد العجائبى د.السعيد الورقى





الدكتور عمار على حسن كما تقول روايته الأخيرة "شجرة العابد" كاتب مثقف واع بالإنسان وتاريخه الثقافى، مدرك لقوانين المعرفة التى تفلسف وعى الإنسان بوجوده، ماهر فى فن الحكى بتلقائية تعرف جيدا سر الحكى وسحره.
الرواية هى الإصدار القصصى السابع فى إبداع الكاتب الذى صدرت له مؤلفات عديدة فى السياسة والفكر والتصوف والاقتصاد، وهى مؤلفات تؤكد اهتمام الكاتب بشكل خاص بالعلاقة بين الدين والسياسة والتاريخ والتصوف داخل وخارج وعى الإنسان ولا وعيه، وأثرها فى تشكيل مكوناته الثقافية التى تحكمه.
تقدم رواية "شجرة العابد" قصة الإنسان فى واقعيه الداخلى والخارجى، وحيرته أمام الأسئلة الكلية الهامة فى حياته من خلال علاقاته بالوعى الأسطورى والوعى التاريخى والوعى السياسى الاجتماعى، وهو ما جعل الفضاء السردى للرواية موزعا بين الشخصيات الأسطورية والشخصيات التاريخية والشخصيات الاجتماعية والسياسية والشخصيات المتصوفة العائشة فى الحقيقة والتائهة بين الحقيقة والشريعة.
فى هذا الفضاء المتنقل بين الأسطورى والتاريخى والاجتماعى السياسى والمعرفى يتحرك عاكف فى رحلة بحث أسطورية عن شجرة إلهية فى الأرض لها ما يماثلها فى عالم البحار وما يماثلها فى عالم السماء، ربما تكون شجرة المعرفة أو شجرة الحقيقة، وربما تكون الأمل المنتظر، أو ربما تكون شجرة المستقبل الذى يتطلع إليه الجميع، وقد كشف السرد عن هذه الاحتمالات فى غير موضع من الرواية، يقول:"أى شجرة هى.. شجرة الكنز، شجرة الدواء، شجرة العشق الإلهى.. شجرة الإنس.. شجرة الجن.. شجرة الكون الفسيح.. شجرة البداية والنهاية.. أى شجرة هى.. أى شجرة أنت؟".
وعاكف أو الإنسان التائه فى فضاء الكون، والمعلق بين الأرض والسماء، يحمل قدره بين يديه ويرحل فى الزمان والمكان بحثا عن الحقيقة، كما رحل أوديب الإنسان قبله أيضا باحثا عن الحقيقة، وبعد مغامرات التجوال والبحث يكتشف عاكف كما اكتشف أوديب أن الحقيقة فى داخله، وكما يساعد "ترسياس" الحكيم الأعمى أوديب على أن يبصر فى مقولته الشهيرة:"من سعى وراء الشئ ناله، ومن أهمل شيئا أفلته من يده" تقوم "نمار" العرافة بنفس الدور الذى لعبه ترسياس حيث تقول لعاكف:"اغمض عينيك وابحث عن الطاقة المطمورة داخلك فاستحضرها وستغنيك عنى، وستعرف بعد حين أن الإنسان هو خليفة الله فى أرضه، أعطاه من صفاته ومنحه من قدراته، لكن أكثر الناس لا يعلمون".
***
شجرة العابد هى نبؤة العرافة وحلم الإنسان العاكف منذ وجد وإلى نهاية الحياة فى عالم يموج بالقلاقل والصراعات، يحركه الطمع والجشع وفساد الذمم، ويفتقر إلى العدالة الاجتماعية.
قدم السرد مشاهد عديدة لهذا العالم من داخل الواقع الاجتماعى والواقع التاريخى والواقع الأسطورى والواقع الانفعالى، واستطاع أن يخرج هذه المشاهد فى رؤية متداخلة استطاع الكاتب أن يقدمها بنجاح من خلال إعادة تفكيك الواقع ثم بنائه من جديد على نحو يقدم شكلا مبهرا للفوضى الخلاقة، وأعنى بها أنها فوضى فى التشظى والجمع بين الواقعى والتاريخى والأسطورى، وبين المنطقى واللا منطقى، وبين الواعى واللا واعى، وبين الحسى والانفعالى.. الجمع بين كل هذه المتناقضات فى صيغة إبداعية تتقن سر الحكى وسحره، لقد توحدت الذات بالموضوع، فأصبحت رؤية الذات للواقع هنا رؤية شعورية انفعالية أقرب إلى أحوال المتصوفة فى مواقفهم.
ومن ثم اندمج السرد فيضا من الأحوال فى مواقف المعرفة والتجلى للإنسان العاكف فى الكون يبحث عن السر الحقيقى الكامن وراء الأسرار الزائفة فى رغبات وأمنيات سائر العباد الذين تطاردهم أطماعهمورغباتهم اليومية التعسة من مال وسلطان وشفاء وأمثالها.
***
عاكف هذا العصر وكل العصور هو أوديب الإنسان فى الميثولوجيا الإنسانية.. الإنسان فى مواجهة قدره، وإن اختلفت النظرتان؛ النظرة الوثنية التى كانت وراء أوديب والتى جعلت الحقيقة تفترسه، والنظرة ذات المرجعيات الإسلامية والصوفية المتداخلة بين الأديان السماوية والتى جعلت عاكف الإنسان يتوسل إلى أن المعرفة الحقيقية فى الجمع بين الحقيقة التى تشربها من الحاج حسين ومن حفصة ابنته، والشريعة التى أخذها عن شيخه الصاوى الذى علمه كيف يجاهد من أجل الحرية، ولكنه لم يعلمه كيف يحرر نفسه أولا، وهو ما توصل إليه بالتدريج من خلال رحلته مع الحاج حسين والجنية نمار ثم حفصة بعد ذلك التى قادته بالبصيرة إلى أن يرى الشجرة، شجرة المعرفة، حقيقة الحياة القائمة على الإيمان والعشق والعمل، وليكتشف معها أن الإنسان فى النهاية جاهل على علمه، ناقص على سعيه.
***
قدم السرد الافتراضى للحياة فى رواية شجرة العابد عددا من الشخصيات التى قامت بدور الرموز أو الأقنعة، فالشجرة التى نبتت كما يقول السرد اعتمادا على بدء الكون فى سفر التكوين حيث انهمرت المياه من الجهات الأربع وسالت بغزارة وجرفت أمامها كل شئ، وعندما انحسر الماء، وجف ريقه، وبعد مرور سنوات ليست بالقليلة نبتت فى هذا الكون الذى لا يعرف عنه الناس شيئا رغم كثرة ما يعرفون، لأن المعرفة الحقيقية لن تتأتى إلا حين يفرج الله عن الأرواح الحبيسة فى سجون الأجساد، فى اللحظة التى تذوب فيها الأرواح بين فجاج اللانهائى.
ويقدم السرد تفصيلات كثيرة لهذه الشجرة لتصبح معها كل شئ، لتصبح هى الوجود.
وعاكف هذا الإنسان الذى لا يشيخ بتجدده المستمر مع ثبات حيرته وأسئلته، والشيخ القناوى هو العبادة وعمارة الأرض والمجاهدة من أجل الحرية، والحاج حسين هو امتلاء الروح وسمو الأخلاق، ونمار الجنية هى العرافة التى تقود عاكف فى رحلة السمو والتى تواجهه بضعفه وحيرته والتى تطلب منه أن يسعى إلى اكتشاف القوة الكامنة فى داخله، فأصبح مستعدا وجاهزا للتواصل مع حفصة ابنة المحبة والعشق، ابنة الحاج حسين، وبها وعن طريقها وتجلياتها يصل عاكف إلى السر الحقيقى الذى أعيا سائر المخلوقات من أنس وجان، فجاءت أسماؤهم رموزا لمواقعهم الاجتماعية والتاريخية.
ومع أن الشخصيات هنا كانت أقنعة لأفكار وقضايا وقيم معرفية إلا أن الكاتب بمهارته فى السرد لم يعزلها عن الواقع الإنسانى، فتحركت فى واقع الحياة كما يتحرك الناس، حتى المخلوقات الأسطورية، فقد تحركت أيضا فى واقعها بمنطق الحياة البشرية، وهو ما أضفى على السرد مصداقية واقعية تجعل المتلقى متأكدا من أن ما يحدث مع ما فيه من أمور غير منطقية هو حياة واقعية مؤكدة تستحق الحكى وتستأهل الإنصات، وهو نفس ما يحدثه الحكى فى القصص الشعبى وفى حكايات ألف ليلة وليلة.
هكذا أعطى الكاتب للغرائبى قوة سحر الحكى عندما تملك أسراره.


                                           عودة 

عندما تبوح الذات قراءة في رواية(سمر كلمات ) للأديب طالب الرفاعي د. أحمد المصري


عندما تبوح الذات
قراءة في رواية(سمر كلمات )
للأديب طالب الرفاعي
                د. أحمد المصري
القراءة نشاط إيجابي من القارئ تجاه النص وتفاعل مثمر معه يؤدي إلى إثراء هذا النص وتعدد معانيه والأخذ منه والإضافة إليه ، ولا بد للناقد الذي يتصدى للقراءة الأدبية من أن يمتلك ملكات خاصة تمكنه من سير أغوار النصوص وفك شفراتها ، فالنص الأدبي دلالة سياقية تتبدى في صورة متشطية تشع في كل جانب وما تخفيه يقدر بأضعاف ما تبديه ولا يمنح النص نفسه بسهولة إلا لمن يملك مفاتيح مغاليقه والقدرة على غزو ميادينه لذلك فإني قبل أن أخوض تجربة القراءة يجب أن أعترف بداية أنني ألقي بنفسي في تجربة غير مأمونة العواقب ؛ وذلك لأن النص الأدبي الحديث لم يعد تصريحاً نهائياً أو معنى كاملاً أو خطاباً منطقياً بحدوده المرسومة من خارج النص وإنما غدا بنية رمزية لا تفصح عن مخزونها الثري إلا في عمق السياق النصي .
وتعد الرواية فناً متأبياً على التنظير ؛ وذلك لأنها عمل إبداعي مفتوح ، ولكل مبدع الحق في أن يبتكر فيقدم ويؤخر ، ويغير ويبدل ؛ فإذا الشخصية في الرواية الجديدة لا تعد وكونها شبحاً مضطهداً .. وإذا الحبكة غائبة ، أو شاحبة ، أو ممزقة الأسمال متقطعة الأوصال ؛ إن حاولت الإمساك بها أفلتت ، وإن أردت متابعة رصدها أعرضت ،واللغة فيها مجرد لعبة ، والزمن مجرد أحيان متقطعة لا يجمعها خيط والحيز سحري أو عجائبي ، لذا من العسير وضع نظرية لعمل يتأبي على التنظير .
إن الخيال طليق ، وإن الإبداع سمته الأولى الحرية ووظيفته الجمال وغايته الابتكار ، فكيف يجوز تقييد حرية يجب أن تظل طليقة ، ووظيفة يجب أن تظل دون حدود ، وابتكار يجب أن يظل متمتعاً بكل ما له الحق فيه من انكسار القيود وانفتاح الآفاق ، وانزياح الحواجز ، إن الشكل الروائي متحول دائماً فكيف نستطيع أن نزعم أننا قادرون على وضع قانون ثابت يقيده تقييداً ، ويكبله تكبيلاً ؛ فيغتدي ثابتاً وقد كتب عليه أن يظل متحولاً ؟
إن كل نظرية للنقد توضع انطلاقاً من معطيات نصوص يقرؤها المنظر فينظر ، في الحقيقة لها أصلاً ، أما ما وراء ذلك ، أو ما بعد ذلك ، فيمكن أن تنطبق نظريته على بعضها دون بعضها الآخر ؛ فإذا انطبقت عليها كل التقنيات فتباً لها من نصوص وسحقاً إذا خضعت للقواعد وأذعنت للقيود .
إن عبثية الإبداع هي قاعدته ؛ وإن تمرده على التقنيين هو ثورته التي يجب أن تظل معلنة على التقاليد التي تقيد فلا ترسل ،وتؤذي أكثر مما تجدي .
الكاتب
ويعد طالب الرفاعي أحد المبدعين المتميزين الذين أثبتوا جدارتهم الفنية بما وهبه الله من موهبة متميزة بين أقرانه من الروائيين المعاصرين وصل إليها بعد رحلة شاقة مع الإبداع الروائي كان فيها صاحب تجربة متميزة وهوية فريدة غير مكرورة لا تتشابه مع غيرها،لم يخضع فيها لتشكيل فني واحد، وإنما كان نموذجا لكاتب يحترم التجريب ولا يخشى المغامرة فيه خصوصا على صعيد بناء الرواية ولغتها،
الكتابة بالنسبة له واقع فني مجاور لواقع الحياة، واقع زاه مغامر، يستطيع التجاوز والقفز فوق قوانين الحياة القاسية. وقد كان في كل ما كتب منطلقا من قناعة واضحة بوظيفة الفن الاجتماعية، وصلته بوعي القارئ ، وقدرته على أن يشكل ذاكرة أي مجتمع
سعى دائما إلى محاكاة اللحظة الواقعية الاجتماعية فنيا، على أمل تجاوزها إلى حياة فنية متخيلة، تكون أكثر حرية وديمقراطية وحبا وسلاما وعدلا وانفتاحا على الآخر. كما حرص على الدفاع عن حقوق الإنسان العادلة فكان في كثير من الأحيان صوتا لمن لا صوت له، مؤمنا بأن ثمة مشتركا إنسانيا باقيا بين بني البشر، أيا كانت الفروقات المادية والجغرافية والدينية بينهم ولعل روايته (ظل الشمس) تعد خير نموذج على هذا الحرص.
رواية سمر كلمات
وإذا نظرنا إلى رواية ( سمر كلمات )فإننا نجدها تمثل إحدى حلقات المنجز الروائي لطالب الرفاعي المتمثّل في ثلاثة أعمال هي: «ظل الشمس، رائحة البحر، الثوب»وهي تمثل نموذجاً واضحاً لهذا الجنوح نحو التجريب والتجديد في الكتابة الروائية فهي  رواية شديدة الحرية , شديدة الفرار من عبودية التقاليد، رواية في تحليل الطبائع واكتشاف ما تحت السطح المرئي،واستبطان للنزعات والغوايات الفردية في مجتمع محدد منغلق منفتح على الخيارات الصعبة‏. وفي زمن روائي لا يتجاوز اثنتين وعشرين دقيقة, ترتجل شخصيات الرواية: (سمر , طالب, عبير, سليمان, جاسم ,ريم , دلال) في لحظة مكاشفة, وخارج مواصفات السرد المألوفة, خطابها العفوي الذي يكشف أسرارها.
تقع الرواية في مئتين وسبعين صفحة وتحتوي على عشرة فصول ترصد على مساحة أوراقها كثيراً من الظواهر الاجتماعية المتغيرة والسريعة والعجيبة والمتناقضة في آن. وقد جاءت فصول الرواية في شكل لوحات متناظرة متوازية مضغوطة في أقل من نصف ساعة محكية على ألسنة سبع شخصيات مدعمة بمقتطفات من حوارات وجمل قصيرة متقطعة داخل التداعيات.
يعالج كل هذا قاص مبدع صاحب ثقافة واضحة وإلمام كبير بما يدور حوله جعله يرصد حركة الواقع والمجتمع بدراية وحذق وخبرة فنية مدهشة.
وإذا كان عنوان الرواية يعد المفتاح السحري لشفرة التشكيل أو الإشارة الأولى التي يرسلها إلى الملتقى فإن كاتبنا تخير لروايته عنواناً يوحي بدلالات كثيرة ويطرح في ذهن المتلقي أسئلة عديدة حول المقصود منه
فالكاتب حين تخير عنوان «سمر كلمات» كان يشيرإلى حالة من البوح الروائي أشبه بالفضفضة والاسترجاع، وحديث النفس المثقلة بأوجاعها وخيباتها وأوهامها وأحلامها المحبطة، فأتى تعبير «سمر» لا ليشير إلى اسم بطلة الرواية فقط، وإنما ليدل على حديث ليلي، ما بعد الحادية عشرة، حيث «السمر «المنسوج «بكلمات» منثورة تبث عبر توارد الخواطر، فهي حكايات «سمر ليلي» من أسمار الليل الممنوعة التي لا ينبغي للمجتمع الحاضن لأحداثها أن يعرف تفاصيلها.
. وقد بدأت الرواية بحركة في الشارع وانتهت بأخرى في الشارع أيضا، وكأن الحياة الحقيقية هي تلك التي تمارس في الشوارع. وتبدأ ليلا وتنتهي ليلا ،وقد لازم مؤلف «سمر كلمات» شخصياته وأحداث روايته. وقبيل منتصف الليل تواروا  جميعاً: المؤلف والشخصيات، لكن رغباتهم بقيت معلقة في فضاء الليل باعتبارها مجرد رغبات وآمال؛ إذ لا سبيل لتحقيقها في ضوء النهار حيث القهر المجتمعي المهيمن على تفاصيل العلاقات والمصائر. وكأن أسرار المجتمع التقليدي لا يمكن عرضها تحت الضوء
فالرواية تتضمن تشريحاً سردياً قاسياً لبنية المجتمع التقليدي الكويتي، وبخاصة فيما يخص العلاقة بين المرأة والرجل، ولهذا فالفضاء الليلي هو الخلفية المناسبة لطرح هذه القضية. تقترح الرواية علاقات موازية بين الجنسين غير علاقات الزواج، فقد أكد متن الرواية أن علاقات الزواج التي أقرتها التقاليد الاجتماعية أفضت إلى سوء تفاهم، وسوء شراكة، ونزاع متواصل، وهدر للقيمة الإنسانية. تبدأ العلاقات بصورة طبيعية، وسرعان ما تنتهي نهايات سيئة، كل علاقة شرعية لا تلبث أن تنزلق إلى هاوية خصام، فتصبح قيداً بدلا من أن تكون شراكة. هذا ما وقع لكل الشخصيات الأساسية في الرواية: «سمر، سليمان، عبير، جاسم، طالب، وريم»، فكلها شخصيات تهرب من علاقات شرعية، أو تعاني منها، وترنو بأبصارها إلى علاقات موازية تشبع النقص النفسي والجسدي والذهني حيث أخفقت العلاقات الزوجية في تلبيتها، لأنها حولت تلك الذوات الإنسانية إلى رموز وظيفية غايتها الإنجاب والعمل فقط، دون اهتمام بالقيم الداخلية للشخصيات التي أهدرت رغباتها بذريعة الامتثال للتقاليد والقيم الاجتماعية.
الشخصيات
ولعل أبرز ما يمكن ملاحظته في هذه  الرواية يكمن في القدرة الفائقة التي تميز بها طالب الرفاعي في رسم ملامح شخصياته وتوظيفه لها توظيفاً فنياً مبدعاً يجعل منها لوحات فنية معبرة لا تنفصل عن بقية التقنيات السردية وإنما تنصهر معها لتخلق نصاً أدبياً بالغ الثراء والإمتاع.
وقد حرص طالب الرفاعي في رسم شخصياته على التركيز على عدة عناصر منها:
1-المظهر الخارجي من ملامح شكلية وجسمية تمثل الهيئة الخارجية للشخصية. ويظهر هذا بوضوح في وصف الكاتب لبطلته ريم حيث يقول:
(تصورت نفسي للحظة أنني في حضرة عارضة أزياء أوربية،ريم أطول بكثير مما تخيلتها،تكاد تكون بطولي..عيناها العسليتان،وبشرتها البيضاء،وشعرها الأشقر،وبساطتها الساحرة.تلبس بنطلون جينز ضيقا بلون أزرق داكن،ماركة فلنتينو وقميصا أبيضا مرشوشا بورود حمراء صغيرة،يكشف جزءا من صدرها،وتنتعل حذ اءا أبيض،يظهر تقاطيع قدمها:ببشرتها البيضاء،وعروقها الخضراء،وأصابع رجلها المصفوفة،وأظافرها المقلمة باللون الأحمر الذي يضاهي لون ورود قميصها،ولمعان كعب رجلها الوردي كقطعة فراولة).   
 ويصل الإعجاب إلى مداه حين يقول:
(هذه باقة ورود على هيئة امرأة)
وعلى هذا النمط الرائع في رسم الشخصيات يسير طالب الرفاعي مصوراً شخصياته تصويراً يكسبها حياة متدفقة ، يصنع حركتها وحيويتها بالكلمة الرائعة المبدعة ليرسم صورة بديعة ربما تعجز الألوان والفرشاة عن رسم نظير لها لشخصيات متفاعلة مع زمانها ومكانها صانعة حدثاً يحمل طابع الدلالة الشعرية وهو طابع قابل لتعدد المستويات ، ومن ثم التأويلات ، وبالطبع لا تجسد ذلك كله إلا من خلال لغة تعتمد الصورة وسيلتها الأولى والأخيرة.
ب0التكوين النفسي والصفات الداخلية والخبرات المكتسبة.
ولا تقف براعة طالب الرفاعي في رسم شخصياته عند حدودها الخارجية بل لعل أبرز ما تميز به طالب الرفاعي يكمن في التركيز على التكوين النفسي والصفات الداخلية ، والخبرات المكتسبة ويظهر هذا بوضوح في حديث الكاتب عن سمر التي تميزت بالإصرار والقدرة على المواجهة والدفاع عن اختياراتها أمام السلطة الأبوية والذكورية وتحملها لعواقب هذه الا ختيارات.
جـ- البيئة المحيطة بالشخصية مثل الجذور العائلية والمحصلة الثقافية .. وغيرها.
ويظهر هذا بوضوح في حديث الكاتب عن وليد البيسري وأثر هذا الأصل على معارضة زواجه من سمر،وكذلك حديثه عن سليمان وغيره من ابطال الرواية.
د- التحولات التي قد تطرأ على الشخصيات مع تطور الحياة وتغير الظروف.
وبالنظر في شخصيات الرواية يتضح لنا أن المؤلف قد رسمها بعناية فائقة جعلتها في كثير من الأحيان تتحول من مجرد شخصيات ورقية إلى شخصيات حية نقابلها في حياتنا ونشعر بآمالها وآلامها وأحلامها وإحباطاتها وإن كان الإحساس الحاد بالفقد يمثل قاسماً مشتركاً بين معظم هذه الشخصيات ،فكلها يعاني فقدا واضحا للحب والاستقرار والأمان ،كل الشخصيات تتحرك نحو هدف معين، ولكنها كلها لا تصل: سمر تسعى إلى سليمان الرجل الوحيد الذي احتواها، ولا تصل إليه، طالب الرفاعي المؤلف يظل يسعى للقاء ريم التي أرادها واحدة من أبطال روايته، ولا يصل إليها. جاسم زوج عبير أخت سمر لا يصل إلى سمر التي حلم بها. عبير وبناتها الثلاث لا يصلون إلى شيء. سليمان لا يصل هو الآخر. ريم صديقة طالب الرفاعي المرجوة لا نراها مع طالب، رغم السعي الحثيث من قبلها وقبله نحو مكان اللقاء.
كما أن وجود المؤلف في الرواية بالاسم والصفة، واسم زوجته واسم ابنته، كل هذا يوحي للقارئ بأنه أمام سيرة ذاتية، وأن الشخصيات حقيقية، في حين أنها مؤلفة ومتخيلة، عبر أحداث مؤلفة ومتخيلة. هذا لا يعني أنها مفترضة تماما، فوجود المؤلف معها بهذه الصراحة يظل يوحي بحقيقتها.

اللغة
اختيار لغة الرواية ليس أمراً ميسوراً ؛ لأنها أهم ما ينهض عليه البناء الفني الروائي ؛ فالشخصية تستعمل اللغة ، أو توصف بها، أو تصف بها مثلها مثل المكان والزمان و الحدث.
     واللغة هي التي تميز كاتباً عن كاتب ، وتعلو بمبدع على مبدع ، وإذا غاب السحر اللغوي عن العمل الروائي فقد غاب عنه كل شىء.
و لغة طالب الرفاعي لغة متميزة تنم عن موهبة واضحة لكاتب يملك أدواته الفنية ويجيد توظيفها
 وقد منح المؤلف شخصياته اللغة المتسقة وطبيعتها وميولها وأفكارها ، وقد استطاع العزف على أوتار هذه المستويات اللغوية ببراعة فائقة ، وقد تشكلت لغة طالب في روايته عبر ثلات صور هي :-
1-لغة النسج السردي.
2-لغة الحوار.
3-لغة المناجاة.
أولاً : لغة النسج السردي:-
هي اللغة التي تقدم الشخصيات وتصف المناظر وتعلق على الأحداث وتعبر عن العواطف والمشاعر ، وهي لغة لا غنى عنها في أي رواية وهذا النمط في روايتنا يسمح للمؤلف بالحضور بشكل مكشوف ، لذا فمن الطبيعي أن يعرف كل شىء باعتباره عليما بكل شيء رغم عدم ميل طالب إلى استخدام تقنية الراوي العليم.
ثانياً لغة الحوار:-
      وهي لغة معترضة تقع وسطاً بين المناجاة واللغة السردية ،وطالب شأن معظم كتاب الرواية الجديدة يجنح لعدم الإكثار من الحوار وهو عنده مقتضب ومكثف لا يطغى على جمالية اللغة ،وقد أعطى طالب الحوار حقه وأداه بصورة رائعة ومميزة في روايته
ثالثاً لغة المناجاة:-
هي اللغة التي تعبر عن حديث النفس للنفس واعتراف الذات للذات ، لغة تندس ضمن اللغة العامة المشتركة بين السارد والشخصيات ، وتمثل الصدق والحميمية والاعتراف والبوح .. ولقد اغتدت المناجاة في أي عمل روائي يقوم على استخدام تقنيات السرد العالية تنهض بوظيفة لغوية وسردية لا يمكن أن ينهض بها أي شكل سردي آخر ،وهذه اللغة هي الأكثر استخداما في روايتنا لأنها تقوم على التداعيات الذهنية والاعترافات،وتسعى إلى الاقتراب من عوالم الحياة المعلنة والسرية لنماذج من نساء ورجال يعيشون في الكويت، يغلف حياتهم زمن خارجي وإطار مكاني محدد، ويخرجهم من عزلتهم زمن نفسي يعي بوحهم الإنساني المتدفق.
علاقة السرد بالزمن
   التمثل الطبيعي لأي مسار زمني في أي عمل سردي يكون على النحو التالي:-
 الماضي ، الحاضر ، المستقبل ، لكن مقتضيات السرد كثيراً ما تتطلب أن يقع التبادل فيما بين المواقع الزمنية ، فإذا الحاضر قد يرد في مكان الماضي ، وإذا المستقبل قد يجئ قبل الحاضر ، وإذا الماضي قد يحل محل المستقبل على سبيل التعتيم السردي ، وهذا التداخل بين الأزمنة في السرد يعطى تذبذباً زمنياً يمنح النص جمالاً أخاذاً ، ويحرر زمن القص من أي قيود ، والتعامل مع الشخصيات واللغة وبقية المشكلات السردية الأخرى يحتاج إلى شئ من البراعة الاحترافية والذكاء الأدبي القائم على اكتساب التجربة والممارسة بحيث إن هذا الأمر لا يذعن لقاعدة معينة ولا إلى خطة موجهة وإنما هو منبثق عن احترافية الكاتب السردي وقدرته على توزيع الحدث وتوزيع الزمن من خلاله.
.وقد حرص طالب على ضبط زمن روايته فالضبط الزمني تأكيد لخصوصية اللحظة. ونحن هنا أمام لحظة فريدة حقا، تفصل بين زمنين: اليوم والأمس وما سيأتي. إنها الحادية عشرة وعشرين دقيقة، بداية النهاية واقتراب من التحول، أي الانتقال، وربما المآل الجديد أيضا. لذلك فالأنا الساردة تبوح بما في مكنونها ، والبوح هو استعادة لحقبة من تاريخ شخصي وجماعي استعدادا للقفز إلى الأمام : ليس هناك من الوقت سوى ما يكفي للفعل، إنه زمن الضرورة. وهي الضرورة التي يؤكدها التذكير الدائم بالزمن، وتحديد الفضاءات التي تتحرك داخلها الشخصيات وهكذا إلى آخر الرواية تحرص كل شخصية على ضبط الزمن بالدقائق،إن الأمر يتعلق بإشارة إلى سباق لا هوادة فيه مع الزمن استنادا إلى لحظة زمنية تستوعب كل الذكريات واستعادة لكل الكم الزمني الضروري لتجاوزها إنها العودة للوراء للقفز بشكل أفضل إلى الأمام.
سرعة القص ومدته الزمنية:-
      تحدد هذه السرعة بالنظر في العلاقة بين مدة الوقائع وطول النص قياساً لعدد أسطره أو صفحاته.
واستناداً إلى هذه المقارنات بين المدة القائمة على مستوى الوقائع وبين الطول القائم على مستوى القول، وبالنظر إلى ما هي عليه هذه المقارنات من تغير في العلاقة أمكن التوصل إلى تحديد أربع حركات من السرعة في القص كالتالي:-
القفز :
حين يكتفي الراوي بإخبارنا أن سنوات أو أشهر مرت دون أن يحكي عن أمور وقعت في
هذه السنوات وفي هذه الحال يكون الزمن الواقعي طويلاً والزمن القولي في الرواية يقارب الصفر ، وهذا المستوى موجود بكثرة في روايتنا.
الاستراحة:
حين يكون قص الرواى وصفاً فيصبح الزمن على مستوى القول أطول من الزمن الواقعي وهذا قليل في روايتنا.
المشهد :-
حين يغيب الراوي ويتقدم الكلام كحوار بين صوتين وهنا تتعادل مدة الزمن على مستوى الواقع ومستوى القول فيتساوى زمن القص مع زمن وقوعه وهذه الحركة لها أمثلة عديدة في روايتنا.
الإيجاز :-
هو حركة متغيرة السرعة وغير محددة تجعل زمن القص أقصر من زمن الواقع.
وبتطبيق هذه الحركات الأربع لسرعة القص على الرواية يتضح أن الكاتب قد استخدمها جميعاً إلا أن الحركتين الأولى والرابعة كانتا أكثر استخداماً
قلب الزمن :-
     مما يندرج ضمن الشبكة الزمنية في السرد الروائي ما يعرف ( بالقلب الزمني ) وذلك بتقديم الحدث دون إعطاء كل المعلومات السردية المتعلقة به ، فالزمن هنا يبتدئ من حيث انتهى وهذا يعطي الحدث حيوية ، ويفتح باب السؤال والاهتمام والتشويق من أول جملة في النص السردي المطروح للقراءة ، وقد استطاع طالب الرفاعي توظيف القلب الزمني ببراعة فائقة في روايته مما منحها تشويقاً وحيوية أضفى عليها جمالاً واضحاً.


تقنية القطع والتناوب:-
كما لجأالكاتب إلى تقنية القطع والتناوب بين الأحداث ، وهذا القطع يمكن أن يحدث إرباكاً في ذهن المتلقي إذا لم يكن المؤلف واعياً بتقنيات القطع والوصل ذلك أن المؤلف عندما يلجأ إلى أسلوب القطع فإنه يخلق حالة من التوتر لمتلق في حالة استرخاء يتابع سلسلة من الأحداث تجري أمامه ، لكنه يعاود دفعه إلى حالة الاسترخاء ليتابع سلسلة جديدة من أحداث يقطعها مرة أخرى محدثاً حالة جديدة من التوتر ليكمل حكايته الأولى التي تجعله مسترخياً وهكذا.
والمتلقي في ظل نظام التناوب يظل مشدوداً ما بين حالتي الاسترخاء والتوتر لا يخرج منهما إلا بانتهاء الرواية ، وعندما ينتقل المؤلف بين زمنين مختلفين وشبكتين مختلفتين من العلاقات الداخلية التي تربط أبطال كل حكاية فإنه يحاول إيجاد رابطة منطقية أو نفسية أو تاريخية أو سببية أو غيرها ليبرر هذا التوازي والتداخل بين الحالتين ، وقد نجح الكاتب إلى حد بعيد في استخدام هذه التقنية في روايته.
إن ظاهرة التكرار للمشاهد والأحداث على ألسنة الشخصيات ومن خلال استرجاعاتها، أمكن لها أن تحظى بالقبول والتشويق، وذلك بسبب ما لجأ له الكاتب من اللعب على عنصر «الزمن» على وجه الخصوص. فالقارئ من خلال سياحته في فصول الرواية يمكن أن يلحظ مهارة الكاتب في التعامل مع زمنين اثنين: الأول زمن واقعي لا يزيد عن نصف ساعة، من الحادية عشرة مساء إلى ما قبل الحادية عشرة والنصف. والزمن الثاني زمن نفسي للشخصيات، لا يحكمه منطق الدقائق، بقدر ما يجول في الأزمنة كلها الماضية والحاضرة والمستقبلية، ومن خلال هذا الزمن النفسي، أمكن للأصوات المتعددة أن تتزامن وتتوازى وتتقاطع بحرية تامة، لتشكل في النهاية حالة من التكامل والانسجام، الأمر الذي ضمن للرواية قدراً ملحوظاً من التماسك والوحدة.
وتظهر مهارة طالب السردي في تكثيفه لزمن السرد وحصره في أقل من نصف ساعة تتوزع على عشرة فصول إذ يقع ضغط متن الأحداث وهي تزيد على أربعين سنة من تجارب الشخصيات، وتنوع الأحداث، في زمن قصير جداً، وهذا يكون مفيداً جداً إذا ما أتيح للشخصيات أن تتوفر لها الفرصة للإفضاء الكامل بما تطمره في دواخلها، فالتداعي الحر، والاستذكار، واستعادة الماضي، لا بد أن يقدّم في سياق يتيح للشخصيات التعبير عن نفسها بصورة كاملة، فليس العبرة في ضغط زمن السرد إنما العبرة بما يتيحه ذلك الزمن للشخصيات من فرص للبوح والاستذكار، وقدظهر لنا أن الزمن الضاغط لن يمكن الشخصية من التعبير عن الجوانب الأساسية في تجربتها، هذا الضغط المقصود للزمن ـ الذي قد يكون مفيدا في التعبير عن الضغط النفسي والاجتماعي للشخصيات ـ يجعل القارئ يتساءل إن كان من الممكن، في ظروف طارئة بالنسبة للجميع، أن يهتموا باستعادة ما ظهر في النص من أحداث وذكريات كثيرة ومتنوعة. فانسياب الزمن وإيقاعاته السريعة تشعرنا به الإشارات الضوئية في  شوارع المدينة، وتضبطه عقارب الساعة في السيارات. ولهذا ظهر تماثل في رؤى الشخصيات، وتشابه في أفكارها، إذ لم يتح لها ضيق الوقت الإفضاء بتجاربها ومواقفها بما يجعل رؤاها متباينة ومتفردة، ولكن هذه القضية بذاتها ربما تكون من أهم ما ميز الرواية، فسرعة الزمن جعلت الأحداث مترابطة، ومتوازية.
ومن أبرز التقنيات التعبيرية المميزة التي فرضت نفسها على البناء الروائي في روايتنا التي بين أيدينا ما يلي:
تقنيةالتخيييل الذاتي
في هذه التقنية يتداخل جزء من سيرة الكاتب الذاتية مع جزء آخر من الرواية الذي يكون الحكاية وكلا الجزءين: السيرة الذاتية والحكاية يشكلان بتداخلهما عالم الرواية .
وهذا النمط من السرد نراه بداية في رواية «ظل الشمس»، وفيها توثيق لجزء من سيرته الذاتية حيث يحضرباسمه الصريح، وإشارة إلى عمله مهندس إنشاء في مواقع العمل، واستحضار للواقع القاسي والمؤلم لحياة العمالة الوافدة العربية والأجنبية.
وفي رواية الثوب نرى جزءا من سيرة طالب الذاتية وبعض تفاصيل حياته مع أفراد عائلته وعلاقاته بأصدقائه وعمله في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ولكن مع وضع اعتبارات أسرية واجتماعية تفرض عليه قدرا من البوح لا يمكن تجاوزه.
أما في روايتنا (سمر كلمات) يتحول كاتب الرواية طالب الرفاعي إلى بطل من أبطالها، تغريه شخصيات روايته الورقية، وتسحبه إلى عالمها،فيقع في حب ريم ويسعى بكل الطرق إلى الوصول إليها،وهو هنا يذكرنا بكثير من الكتاب الذين وقعوا في غرام بطلات رواياتهم مثل توفيق الحكيم وموقفه من شهرزاد وبراكسا، أو واسيني الأعرج وبطلته الورقية مريم، وعلى الرغم من استخدامه لاسمه الصريح وتفاصيل من سيرته الذاتية في روايات  متعددة متبعا أسلوب «التخييل الذاتي»، فإن الرفاعي يرى عدم جواز محاكمة أي كاتب بناء اعلى أفكار شخصيات عمله الروائي ومواقفها، معتبرا أن في ذلك خلطا كبيرا بين واقع الحياة وواقع الفن.
تقنية تعدد الأصوات
منذ ظهور الترجمة العربية لرواية «الصخب والعنف» للأمريكي وليم فوكنر، ورواية «ميرامار» لنجيب محفوظ، ظهر أسلوب رواية الحدث الواحد، بحيث تروي شخصيات متعددة حدثاً بعينه، كل حسبما عاشه وعاناه.
وعلى هذا النمط من السرد جاءت رواية سمر كلمات لطالب الرفاعي، حيث تقوم الرواية على ضمير واحد هو (ضمير المتكلم)، وعلى تعدد الرواة فالشخصيات الروائية تبوح كل واحدة منها بانفعالاتها وردود أفعالها ومشاعرها، وأحيانا تنقد الآخر من زاوية نظرها الخاصة، حتى يغدو للحدث الواحد، أو حتى للشخصية الواحدة أبعادا متعددة وزوايا مختلفة. تكشف كل زاوية منها عن طريقة الشخصية في تحليل الأحداث، وفهمها لما يدور حولها من علاقات إنسانية
ويرتبط هذا التحليل بنمط خاص لكل شخصية من شخصيات الرواية، وللمتلقي حرية تبني فكر هذه الشخصية أو تلك بناء على قناعاته المتشكلة حولها، وهو إلى جانب ذلك، قد لا يقتنع بفكر أي واحدة منها ليتبنى تحليلاته هو وتأويلاته الخاصة للأحداث.
الرمز
يبدو الرمز حاضرا بقوة في روايتنا حيث تلعب الإشارات الضوئية في روايتنا دورا ملحوظا في إثارة حالة من  شديدة من التوتر. فالرواية في كل فصولها، وفي كل محطة من محطات الاستذكار لا تتوقف عن التذكير بحالة الضوء: فالضوء إما أحمر وإما أخضر وإما أصفر. وحالة الاسترسال على مستوى التذكر لا تقطعه سوى الإشارة الضوئية الدالة على التكسير للإتيان بالمزيد من التوتر: تكسير لإيقاع السرد: التوقف عن التذكر والانتباه إلى المحيط الفضائي وتفرع الشوارع والاختيارات التي يمنحها تعدد الاتجاهات فضائيا واجتماعيا. وتكسير لإيقاع الزمن أيضا، العودة إلى اللحظة والانتباه إلى ضغط الزمن. وضمن هذه التحديدات الأولية يمكن إدراج صورة بصرية للبناء القيمي الاجتماعي كله من حيث هو بناء قائم أساسا على الممنوع والمباح والمسموح به: الممنوع الاجتماعي والأخلاقي والديني. وذاك هو ما تطمح الرواية التمثيل له.
لذلك، فإن الانفصال المشار إليه لا يطال الحدث، فالحدث لا قيمة له خارج وعي الشخصيات ومواقعها (فصول الرواية كلها تروي الأحداث نفسها ولا أحد من الشخصيات يصل إلى محطته النهائية، فلا شيء يتجاوز القصد)، إنه في الرؤية وفي طبيعة الحقائق التي تبنى ضمنه ومن خلاله.
القهر الذكوري للمرأة
يلاحظ قاريء طالب الرفاعي أن المرأة تحتل مكانة ومكانا بارزين في جميع كتابات طالب الرفاعي القصصية والروائية، لقناعته بمقدار الظلم والحيف الكبيرين اللذين يقعان على المرأة، ويصاحبانها في مراحل حياتها، فهي في معظم الأحيان مستهدفة لكونها أنثى. ويتضح ذلك من خلال القوانين المعمول بها في أغلب الدول العربية، والتي تُغلّب مصلحة الرجل على حساب حقوق المرأة.لذلك حاول طالب في روايته إظهار معاناة المرأة في مجتمع ذكوري قاهر لإنسانيتها وساحق لمشاعرها لا يسمح لها بالا ختيار وعندما تسعى إليه يلفظها وينكرها.
النهاية
وتنتهي الرواية، كما بدأت، على لسان سمر التي تقرر مسار حياتها، وتختاره.
تنتهي من دون إجابات محددة لكل التساؤلات والقضايا التي تطرحها فهي تبدأ في الطريق وتنتهي ونحن مازلنا في الطريق، دون أن يحدث اللقاء النهائي بين أي من شخصيات الرواية.
وأخيرا فنحن أمام رواية متميزة جديرة بالقراءة لما تحمله من قيمة أدبية كبيرة تؤكد مكانة صاحبها بين كبار المبدعين الذين أثروا الرواية الحديثة واضافوا إليها إضافات مؤثرة أسهمت إسهاما حقيقيا في تقدمها ورقيها.
المراجع
رواية سمر كلمات لطالب الرفاعي دار المدى 2006
سمر كلمات الليل والسرد       د/ عبد الله إبراهيم جريدة الرياض 5-10-2006
لقاء لكاتب الرفاعي مع صحيفة الشرق الأوسط 2-7-2011
لقاء لطالب الرفاعي مع العرب اليوم 2-8-2011
لقاء لطالب الرفاعي مع جريدة الجريدة 21-8-2011
لقاء لطالب الرفاعي مع جريدة النبراس
لقاء لطالب الرفاعي مع الشرق الأوسط
سمر كلمات رواية العشرين دقيقة   سعداء الدعاس 13-9-2008
سمر كلمات شخصيات تهرب من علاقات شرعية    عبد الله إبراهيم
لمحة مختصرة عن المشهد الروائي في الكويت  محاضرة لطالب الرفاعي بجامعة الكويت
سمر كلمات إعادة اكتشاف الواقع وفق رؤية جديدة  جيهان عبد العزيز
طالب الرفاعي يزج بنفسه وعائلته في أحداث روايته سمر كلمات    مهدي محمد علي
سمر كلمات رواية شعرية أم قصيدة هجاء ساخرة        أنور محمد
سمر كلمات      نجمة إدريس



عودة